سيد محمد طنطاوي
285
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وعبر - سبحانه - بالقذف ، لأنه كناية عن الرمي بقوة وعنف وسرعة . والرعب : شدة الخوف والفزع ، وأصله : الامتلاء . تقول : رعبت الحوض إذا ملأته . أي : وقذف - سبحانه - في قلوبهم الرعب الذي ملأها بالجزع والفزع فاستسلموا بسبب ذلك لما حكم به الرسول صلى اللَّه عليه وسلم عليهم . ثم بين - سبحانه - ما حدث منهم خلال جلائهم فقال : * ( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ، فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصارِ ) * والتخريب : إسقاط البناء وهدمه أو إفساده . أي : أن هؤلاء اليهود ، بلغ من سوء نيتهم ، ومن اضطراب أمرهم ، أنهم عندما أجمعوا أمرهم على الرحيل عن المدينة ، أخذوا يخربون بيوتهم بأيديهم ، عن طريق إسقاط بنائها ، وهدم السليم منها ، وإزالة ما اشتملت عليه من أبواب وغيرها . . حتى لا ينتفع المسلمون بها من بعدهم . . وأخذوا يخربونها - أيضا - بأيدي المؤمنين ، أي : بسبب أن المؤمنين كانوا يزيلون من طريقهم كل عقبة حتى يقتحموا عليهم ديارهم ، فترتب على ذلك أن هدموا بعض بيوت بنى النضير من الخارج ، ليستطيعوا التمكن منهم . قال صاحب الكشاف : ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين ؟ قلت : لما عرّضوهم لذلك ، وكانوا السبب فيه . فكأنهم أمروهم به ، وكلفوهم إياه . . . « 1 » . أي : أن يهود بنى النضير بسبب تحصنهم في ديارهم ، ومحاولتهم عدم النزول على حكم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم حملوا المؤمنين على تخريب هذه الحصون من الخارج ، ليدخلوا عليهم . . والخطاب في قوله - تعالى - : * ( فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصارِ ) * لكل من يصلح له . قال الجمل في حاشيته : والاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء ، ولهذا سميت العبرة عبرة ، لأنها تنتقل من العين إلى الخد . وسمى علم التعبير بذلك ، لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول ، وسميت الألفاظ عبارات ، لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى عقل المستمع ، ويقال : السعيد من اعتبر بغيره ، لأنه ينتقل بواسطة عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه . ولهذا قال القشيري : الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء ، وجهات دلالتها ، ليعرف بالنظر فيها شيء آخر . . « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 81 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 311 .